حوار معمّق مع الأستاذ خالد أبو غريب حول التحولات الإدارية الكبرى
- اللقاء: حوار مع الأستاذ خالد محمد أبو غريب – مدير عام شركة “العمار مصر”.
- إعداد وتقديم: محرر الشؤون الصناعية.
في مكتب يجمع بين البساطة ورائحة الطفلة المتعالية من صالة الإنتاج القريبة، يستقبلنا الأستاذ خالد أبو غريب بحفاوة رجل يُدير بيته لا مجرد مصنعه. على مكتبه ملف إنتاج مفتوح ومحمول (لاب توب) بشاشة تعرض أرقاماً لقراءة الأفران في الوقت الفعلي. نسأله: هل مدير مصنع الطوب اليوم مختلف عن مدير الأمس؟ يضحك ويقول: “بالتأكيد، لكن الأساس واحد”.
جدول المحتويات
- صورة المدير الجديد في صناعة الطوب.
- البيانات وصنع القرار: كيف تغيرت المعادلة؟
- قصة التحول التقني في العمار مصر.
- إدارة الفريق في بيئة صعبة.
- الخطأ والتعلم: فلسفة في الإدارة.
- الميزانية والتكلفة: رؤية اقتصادية صريحة.
- الأزمات وكيف أدرتها.
- ما الذي لا تعلّمه الكتب في إدارة المصانع؟
1. صورة المدير الجديد في صناعة الطوب
- سؤال: كيف تصف مدير مصنع الطوب الناجح في 2024 مقارنة بجيل سابق؟
- خالد أبو غريب: الجيل القديم من مديري المصانع كان نجاحه مبنيّاً أساساً على خبرة يدوية عميقة وعلاقات إنسانية قوية مع الفريق. كان يعرف بنظرة واحدة على الطوبة هل الحرق صحيح أم لا، وكان يعرف كل عامل بالاسم ويفهم طبيعته. هذا النوع من الإدارة له قيمة لا تُعوَّض.
أما مدير اليوم فمحتاج كل ذلك وزيادة؛ محتاج يفهم البيانات ويقرأ التقارير الرقمية ويستخدم أنظمة الإدارة الإلكترونية. محتاج يفهم اقتصاديات الطاقة ويعرف كيف يحسب تكلفة الإنتاج لكل وحدة بدقة. ومحتاج أيضاً يتعامل مع شبكة عملاء أكثر تطوراً وأعلى توقعات، وفي نفس الوقت يبقى إنساناً يتعامل مع فريق بشري له احتياجاته وطموحاته.
التحدي الحقيقي هو الجمع بين الروح القديمة – روح الإتقان والحرفة والانتماء – وبين عقل حديث يفهم التقنية والاقتصاد. ومن يستطيع الجمع بينهما هو المدير الذي يصبح محط ثقة الجميع.
💡 خلاصة: “المدير الناجح في 2024 هو من جمع خبرة جيله مع عقل الجيل الجديد – لا يستغني عن أيٍّ منهما”.
2. البيانات وصنع القرار: كيف تغيرت المعادلة؟
- سؤال: كيف غيّرت البيانات طريقة اتخاذ قراراتك في المصنع؟
- خالد أبو غريب: قبل أن نُدخل الأنظمة الرقمية، كنا نعمل بمزيج من الخبرة والحدس. وأنا لا أقلل من الحدس، فهو أداة قيمة جداً، لكن له حدود خاصة عندما تتشابك الأمور.
مثال بسيط: كنا أحياناً نلاحظ أن نسبة الكسر زادت في دفعة معينة. السؤال هنا: لماذا؟ كنا نقضي يومين أو ثلاثة في البحث (هل السبب في الطفلة؟ أم الحرق؟ أم التجفيف؟ أم أن العمالة تغيرت؟).
الآن لدينا نظام يسجل كل متغير: درجة الحرارة كل ربع ساعة، نسبة الرطوبة في منطقة التجفيف، مصدر دفعة الطفلة، هوية المشغّل على كل ماكينة، ووقت البثق والضغط المستخدم. عندما تحدث مشكلة، هذه البيانات تجعلني أحصر المشكلة في عشر دقائق بدل يومين.
لكن الأهم من الاستخدام التصحيحي هو الاستخدام الاستباقي؛ فبمراجعة البيانات دورياً، نرى أنماطاً قبل أن تتحول إلى مشاكل. إذا انحرفت درجة الحرارة تدريجياً، فهذه علامة على أن الموقد يحتاج صيانة. وإذا زاد استهلاك الوقود دون زيادة في الإنتاج، فهناك فقدان طاقة في مكان ما. البيانات تجعلنا نتصرف قبل أن تكبر الأزمة.
3. قصة التحول التقني في “العمار مصر”
- سؤال: حدثنا عن رحلة التحول التقني في مصنعكم. كيف بدأت وما العقبات؟
- خالد أبو غريب: الرحلة بدأت من إدراك بسيط: كنا نضيع طاقة أكثر مما ينبغي ولم نكن نعرف أين بالضبط. استقدمنا في البداية مستشاراً متخصصاً في كفاءة الطاقة في الصناعات الحرارية، وراجع كل شيء؛ من العازل على الأفران إلى طريقة ترتيب الطوب داخلها. النتائج كانت صادمة: كنا نهدر نحو 25% من الطاقة في مواطن كان يمكن تصحيحها.
- المرحلة الأولى: تحديث الأفران وتحسين عزلها وتركيب مستشعرات حرارة دقيقة، والنتيجة كانت وفراً فورياً في استهلاك الوقود.
- المرحلة الثانية: إدخال نظام ERP مبسّط لتتبع الإنتاج والمخزون.
- المرحلة الثالثة: إضافة منظومة تتبع الطلبيات وخدمة العملاء الإلكترونية.
أما عن العقبات؟ فأكبرها كانت الفريق نفسه. لم تكن مقاومة سلبية، بل خوف طبيعي من التغيير. العامل الذي اشتغل بطريقته عشرين سنة عندما يواجه نظاماً جديداً يشعر وكأنك تخبره أن طريقته القديمة خاطئة. إدارة هذا الخوف كانت أصعب من إدارة الأنظمة التقنية نفسها؛ واحتجنا لجلسات تدريب وتوضيح وإثبات فعلي بأن التقنية تخدمهم ولا تحاسبهم.
🛠️ مبدأ: “التقنية تُغير الأدوات، لكن التغيير الأعمق هو تغيير طريقة التفكير. وهذا يحتاج صبراً وإقناعاً لا إجباراً”.
4. إدارة الفريق في بيئة صعبة
- سؤال: بيئة عمل مصنع الطوب صعبة فيزيائياً. كيف تحتفظ بفريق ماهر ومتحفز؟
- خالد أبو غريب: نعتمد في ذلك على ثلاثة محاور أساسية:
- الاعتراف بالواقع: أول شيء تفعله هو أن تعترف بصعوبة البيئة بدل أن تتجاهلها. العامل الذي يشتغل في الحرارة والغبار ويرى أن الإدارة تقدّر جهده وتعمل على تخفيفه قدر الإمكان، يتمسك بعمله أكثر بكثير.
- الأجر العادل والحوافز: لست أتحدث عن الأجر العالي بالضرورة، بل الأجر العادل الذي يُقدّر المهارة ويُكافئ الإتقان. لدينا نظام حوافز مرتبط بثلاثة مؤشرات: (الإنتاجية، جودة المنتج، ومعدل الحوادث الصفري). العامل الذي يحقق الثلاثة يحصل على مكافأة محترمة، مما يخلق ثقافة الجودة من القاعدة.
- الاهتمام الإنساني (وهو الأهم): أنا أعرف أسماء عمالي وأسماء أولادهم. إذا مرض أحدهم نقوم بواجبه، وفي الأعياد والمناسبات هناك اعتراف حقيقي بجهودهم، بجانب سياسة الباب المفتوح لأي مشكلة. هذا ليس رفاهية إدارية، بل استثمار في انتماء الإنسان لمكان عمله.
5. الخطأ والتعلم: فلسفة في الإدارة
- سؤال: ما أكبر خطأ ارتكبته في مسيرتك وماذا علّمك؟
- خالد أبو غريب: في مرحلة من المراحل، قررنا زيادة الطاقة الإنتاجية بسرعة لأن الطلب كان عالياً. استقدمنا عمالة جديدة بسرعة وبدون تدريب كافٍ. النتيجة كانت ارتفاع نسبة الكسر وتراجع ملحوظ في الجودة، فخسرنا من السمعة أكثر مما كسبناه من زيادة الإنتاج. كان هذا درساً قاسياً لكنه قيّم جداً.
تعلمت أن النمو المتسرع خطر. والأفضل من النمو السريع الذي يضر بالجودة، هو النمو البطيء والمتدرج الذي يحافظ عليها. منذ ذلك الحين، عندما نقرر النمو نبدأ بالتدريب قبل أي شيء آخر؛ فالطاقة الإنتاجية لا تنمو إلا بعد أن يصبح الكادر البشري جاهزاً تماماً لاستيعابها.
6. الميزانية والتكلفة: رؤية اقتصادية صريحة
- سؤال: كيف تُدير التكاليف في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والخامات؟
- خالد أبو غريب: إدارة التكاليف في مصنع الطوب فن حقيقي. نحن نعمل بمبدأ: “لا توفير يمسّ الجودة، وأي تحسين في الكفاءة هو مكسب مزدوج”.
بمعنى، لو وجدت طريقة تُقلل استهلاك الوقود بـ 10% مع الحفاظ على نفس جودة الحرق أو أفضل، فهذا توفير حقيقي. لكن لو كان التوفير يعني حرقاً ناقصاً أو استخدام طفلة أردأ، فهذه خسارة مؤجلة وليست توفيراً.
نحن نراجع تكلفة كل وحدة إنتاج شهرياً تشمل: (الوقود، العمالة، الخامات، النقل، والصيانة). وعندما يختل التوازن في أي بند، نفهم السبب فوراً. ارتفاع سعر الغاز خارج عن إرادتنا، لكن تحسين كفاءة استخدامه داخل في إرادتنا؛ وهذا التمييز جوهري في بناء قرارات إدارية صحيحة.
7. الأزمات وكيف أدرتها
- سؤال: ما أصعب أزمة مررت بها في إدارة مصنك؟
- خالد أبو غريب: أزمة الغاز في فترة من الفترات كانت الأصعب؛ ففجأة أصبح الغاز شحيحاً وارتفع سعره بشكل كبير جداً في فترة قصيرة، في وقت تحتاج فيه الأفران للطاقة والالتزامات قائمة مع العملاء. أدرنا الأزمة عبر ثلاث مراحل متكاملة:
[الصدق مع العملاء] ◄ [إعادة ترتيب الأولويات] ◄ [البحث عن حلول هيكلية]
- المرحلة الأولى (الصدق): اتصلت شخصياً بكل عميل كبير وشرحت له الوضع وأثره على جدول التسليم. معظمهم قدّروا الصراحة وأبدوا مرونة أكبر مما كنت أتوقع؛ فالثقة المبنية عبر السنوات كانت رصيداً حقيقياً.
- المرحلة الثانية (الأولويات): ضغطنا الإنتاج لصالح الطلبيات الأعلى أهمية وأجلنا ما يمكن تأجيله.
- المرحلة الثالثة (الحلول الجذرية): دفعنا هذه الأزمة لتسريع مشروع كفاءة الطاقة الذي كان مؤجلاً، والنتيجة أننا خرجنا من الأزمة بمصنع أكثر كفاءة مما دخلناها به. الأزمات في الغالب تحمل بذور التطوير.
8. ما لا تعلّمه الكتب في إدارة المصانع
- سؤال: ما الذي لا يمكن تعلمه من الكتب في إدارة المصانع؟
- خالد أبو غريب: الكتب ممتازة في إعطاء الإطار والمنهجية، لكن هناك تفاصيل لا تأتي إلا بالممارسة والتجربة:
- أولاً (قراءة جوّ المصنع): عندما تدخل في الصباح وتمر على خطوط الإنتاج، عيناك لا تنظران للآلات فقط، بل تلتقطان ألف إشارة دفعة واحدة؛ وجوه الفريق، إيقاع العمل، أصوات الماكينات، حتى الرائحة أحياناً تخبرك أن هناك شيئاً غير طبيعي.
- ثانياً (فن التفاوض): الكتب تمنحك المبادئ، لكن الكيمياء الإنسانية وبناء الثقة مع المورد على المدى الطويل هو ما يمنحك الأفضلية في أوقات شح الخامات.
- ثالثاً (الحدس الإداري): بعد سنوات من التجربة، تبدأ بالشعور بالمشكلة قبل ظهورها. لا أستطيع شرح هذا الحدس تماماً، لكنه حقيقي وقيم جداً.
📚 قاعدة: “الكتب تعطيك الخريطة.. والتجربة تعلّمك كيف تمشي على أرض غير مستوية. الاثنان ضروريان”.

نهاية اللقاء
- تحرير وإعداد: فريق العمار مصر | مراجعة: الأستاذ خالد محمد أبو غريب.





