حوار إنساني ومهني مع مؤسس العمار مصر
اللقاء: حوار مع الأستاذ خالد محمد أبو غريب – مدير عام شركة العمار مصر
إعداد وتقديم: محررة الشخصيات الاقتصادية
ليس لقاءً عن المصنع هذه المرة. هو لقاء مع الإنسان الذي صنع المصنع. نسأله عن الطفولة والبدايات والأحلام والإخفاقات والنجاحات. يبتسم في البداية قائلًا: ‘الناس عادةً تسألني عن الطوب، مش عني أنا!’ ثم يتكئ للخلف ببساطة من يمتلك ما يكفيه من القصص ويبدأ.
جدول المحتويات
- 1. الطفولة وأول لقاء مع البناء
- 2. قرار البداية: من أين جاءت الجرأة؟
- 3. أصعب اللحظات في رحلة تأسيس العمار مصر
- 4. من أثّر فيك أكثر؟
- 5. الفشل كمعلم: قصص لم تُروَ من قبل
- 6. الخط الفاصل بين العمل والحياة
- 7. ما الذي يجعل الرجل قائدًا حقيقيًا؟
- 8. رسالة للجيل الجديد من رواد الأعمال
الطفولة وأول لقاء مع البناء
◉ خذنا إلى الطفل خالد. أين بدأت علاقتك بعالم البناء؟
خالد أبو غريب:
بضحك لما بأتذكر. أنا نشأت في بيئة كان فيها البناء حاضرًا دائمًا. والدي كان له علاقة بقطاع البناء والمقاولات. من صغري كنت بأراقب، بأسمع الحوارات، بأشوف كيف البشر بيحولوا تراب وطوب لبيوت يعيش فيها ناس ويكبر فيها أطفال. كان في شيء سحري في الفكرة دي.
أكتر لحظة أتذكرها بوضوح إني كنت في العاشرة من عمري وكنت مع والدي في موقع بناء. المعلم الكبير كان بيشرح لعمال أصغر كيف يُرصّون الطوب بالشكل الصح. الطريقة التي كان يتحدث بها، بسلطة المعرفة لا سلطة الصوت، أثّرت فيّ. قلت لنفسي إن المعرفة الحقيقية بأي شيء تُعطيك هذا الهدوء وهذه الثقة. وهذا ما أريده.
” رأيت في طفولتي رجلًا يتحدث بسلطة المعرفة لا سلطة الصوت. هذا الفرق شكّل طموحي. “
قرار البداية: من أين جاءت الجرأة؟
◉ كيف اتخذت قرار تأسيس مصنعك الخاص؟ وكيف واجهت الخوف الطبيعي من المجهول؟
خالد أبو غريب:
الجرأة جاءت من مكانين. الأول: يقين عندي بالمنتج. أنا آمنت إن الطوب الجيد سيجد دائمًا سوقًا. مصر تبني ولن تتوقف عن البناء. والطوب الجيد سيُفرّق نفسه عن الرديء على المدى الطويل. هذا الإيمان كان أقوى من الخوف.
الثاني: بدأت صغيرًا. ما بدأتش بمصروف ضخم. بدأت بطاقة إنتاجية محدودة، دورة تشغيلية بسيطة، وهامش أمان يُتيح تعلم الأخطاء دون كارثة. هذا التدرج في البداية أزال كثيرًا من الخوف. الخوف غالبًا من الخطأ الكارثي. لما تُصمم البداية بحيث تتحمل أخطاءك، الخوف يتقلص.
لكن أكون صادقًا تمامًا: الخوف ما اختفاش. اللي اتغيّر هو إن قررت أتصرف رغمه. الجرأة مش غياب الخوف، هي الخطوة رغم الخوف. وهذه الحقيقة أتمنى يفهمها كل شاب يريد أن يبدأ.
أصعب اللحظات
◉ ما أصعب لحظة مررت بها في رحلتك مع العمار مصر؟
خالد أبو غريب:
أصعب لحظة؟ لو قلت لك كانت اقتصادية أو تشغيلية سأكون مبسّطًا الأمر. أصعب لحظة كانت إنسانية. في مرحلة كنا نمر فيها بضائقة مالية ضغطت على الجميع. كنت أمام خيار إما أُقلّل من فريقي أو أتحمّل ضغطًا شديدًا حتى تمر المرحلة.
اخترت الثانية، لكن بثمن شخصي كبير. أشهر من القلق الشديد والنوم القليل والضغط المتراكم. في تلك الفترة، ما أبقاني صامدًا هو رؤية فريقي يأتي كل يوم للعمل بانتظام. عمّال يعيشون من هذا الراتب ولديهم أُسر. هذه المسؤولية كانت أثقل من أي رقم في دفتر الحسابات.
اجتزنا تلك المرحلة في النهاية. وبعدها أصبح الفريق أكثر ولاءً وتماسكًا مما كان. الأزمات أحيانًا تبني ما لا تستطيع المواسم الجيدة بناؤه.
من أثّر فيك أكثر؟
◉ من كان أكثر تأثيرًا في تشكيل خالد أبو غريب الذي أمامنا اليوم؟
خالد أبو غريب:
أبي بالتأكيد. رجل عملي حكيم لا يميل للكلام الزائد. كان يُعلّمني بالمثال لا بالمحاضرة. أهم درس أخذته منه: ‘الكلام رخيص والعمل هو الامتحان.’ هذه الجملة تُحكم قراراتي حتى اليوم. لما أتردد في شيء، أسأل نفسي: هل هذا كلام أم عمل؟
ثم أحد المهندسين الكبار الذي عمل معه والدي في شبابه. رجل خبير في مواد البناء وكان يُحب أن يُشرح ويُعلّم. قضيت معه وقتًا في شبابي وتعلمت منه ما لم أتعلمه من كتاب. حبّبني في الجانب العلمي والفني للمواد، لا مجرد الجانب التجاري.
وأخيرًا عملائي الأوائل. الذين آمنوا بي حين كنت صغيرًا ومغمورًا. ثقتهم كانت هبة أكبر مما يتصورون. حين يثق فيك أحد وأنت في بداياتك، هذه الثقة تُشكّل طموحك وتُلزمك بمعايير أعلى من تلك التي كنت ستضعها لنفسك.
الفشل كمعلم
◉ حدثنا عن إخفاق لم تتحدث عنه من قبل وما تعلمته منه؟
خالد أبو غريب:
في مرحلة مبكرة، دخلت مشروعًا بعيدًا عن خبرتي الأساسية – لن أتفصّل في نوعه. كنت منجرفًا بفرصة ربح تبدو جيدة دون أن أتحقق كافيًا من أنني أفهم هذا المجال. كانت نتيجته خسارة لم تُدمّرني لكنها أوجعت.
الدرس: ابقَ في نطاق كفاءتك وعمّق فيه. الفرص البعيدة عن خبرتك تكلّفك أكثر مما تُعطيك لأنك تدفع تكلفة التعلم من جيبك في وقت لا تتحمله. ووردن بافيت قال شيئًا مشابهًا: ‘دائرة الكفاءة’ الخاصة بك هي كنزك، لا تتركها إلا بتدريج حذر.
منذ ذلك اليوم، كلما عُرضت عليّ فرصة خارج صناعة الطوب ومواد البناء، سألت نفسي: هل أفهم هذا المجال كافيًا لأُقرّر بثقة؟ إن كانت الإجابة لا، رفضت بغض النظر عن حجم الربح المُقدَّر.
الخط الفاصل بين العمل والحياة
◉ كيف تحافظ على توازن بين متطلبات العمل وحياتك الشخصية؟
خالد أبو غريب:
هذا سؤال يستحق إجابة صادقة لا إجابة مثالية. التوازن الكامل وهم. اللي أؤمن به هو التوازن على المدى الطويل وليس التوازن الكامل كل يوم. في أوقات الأزمات، العمل يأخذ أكثر. في أوقات الاستقرار، الأسرة والراحة الشخصية تأخذ مساحتها.
الحد الأدنى الذي لا أتنازل عنه مهما كانت ضغوط العمل: وقت يومي ثابت مع أسرتي، ولو قصير. ووقت أسبوعي للقراءة والتفكير بعيدًا عن أرقام الإنتاج وجداول التسليم. هذا الوقت ليس رفاهية بل ضرورة إنتاجية. العقل المُرهق يتخذ قرارات رديئة.
ما الذي يجعل الرجل قائدًا حقيقيًا؟
◉ تعريفك الشخصي للقائد الحقيقي؟
خالد أبو غريب:
القائد الحقيقي عنده ثلاث صفات لا يُعوّضها. الأولى: يُعطي قبل أن يأخذ. يُعطي الوضوح لفريقه، يُعطي التقدير، يُعطي فرص النمو. الشخص الذي يُريد من فريقه أن يُعطيه قبل أن يُعطيه هو مدير لا قائد.
الثانية: يُلزم نفسه بمعايير أعلى مما يُلزم بها فريقه. القائد اللي بيطلب الانضباط وهو غير منضبط، والإتقان وهو يتساهل، يخسر مصداقيته ولا يُدرك. الفريق دائمًا يراقب قائده أكثر مما يراقبه القائد.
الثالثة: يُحتمل الاختلاف ويُشجّع الأصوات المختلفة. القائد المُحاط بموافقين فقط قائد في حجرة مظلمة. الشخص الذي يجرؤ على قول ‘أعتقد إن هناك طريقة أفضل’ هو كنز يجب تشجيعه لا تهميشه.
” القائد الحقيقي يُعطي قبل أن يأخذ، يُلزم نفسه بأكثر مما يُلزم فريقه، ويُشجّع من يختلف معه. “
رسالة للجيل الجديد
◉ كلمة أخيرة للشاب الذي يحلم ببناء مشروعه الخاص؟
خالد أبو غريب:
ابدأ. ده أبسط وأعمق مشورة عندي. الأفكار الجميلة اللي بتنام في العقل من غير تنفيذ هي أحزن الأشياء. ابدأ بما لديك، من حيث أنت. كثيرون انتظروا الظروف المثالية ولم تأتِ. الظروف الجيدة تُخلقها أنت، لا تجدها جاهزة.
وتخصّص. العالم ملئ بناس يعرفون القليل عن كثير. التخصص العميق يُعطيك ميزة تنافسية حقيقية. أنا أعرف عن الطوب وصناعة البناء ما لا يعرفه كثيرون. هذه المعرفة العميقة هي ما صنع الفرق، لا مجرد الجرأة.
وأخيرًا: ابنِ علاقتك بعملائك قبل علاقتك بأرباحك. العميل الراضي أعظم استثمار. لو ركّزت على إسعاده، الأرباح ستأتي. لو ركزّت على الأرباح فقط، العملاء سيمضون وستمضي الأرباح معهم.
─── نهاية اللقاء ───
تحرير وإعداد: فريق العمار مصر | مراجعة: الأستاذ خالد محمد أبو غريب
باقي اللقاءات الصحفية مع الأستاذ خالد ابو غريب من هنا





