لوجستيات مواد البناء: الحلقة الأكثر إهمالًا في سلسلة النجاح

لوجستيات مواد البناء: الحلقة الأكثر إهمالًا في سلسلة النجاح

حوار تخصصي مع خالد أبو غريب حول سلاسل التوريد

اللقاء: حوار مع الأستاذ خالد محمد أبو غريب – مدير عام شركة العمار مصر

إعداد وتقديم: محرر الشؤون اللوجستية والتجارية

نستقبل الأستاذ خالد في مستودع التوزيع الكبير، حيث تصطفّ رصات الطوب المرتبة بانتظام وتتحرك الشاحنات في جداول دقيقة. هذه المرة الحوار عن الجزء الخفي من عمل العمار مصر: اللوجستيات وسلاسل التوريد، التي يصفها بأنها ‘قلب العملية غير المرئي.’

جدول المحتويات

  • 1. لماذا اللوجستيات تُفشل المشاريع؟
  • 2. من المصنع للموقع: رحلة الطوبة
  • 3. تحديات التوريد للمواقع البعيدة
  • 4. إدارة المخزون الاستراتيجي
  • 5. التعامل مع تذبذب الطلب
  • 6. الشراكات اللوجستية وكيف تختارها
  • 7. تقنيات تتبع الشحنات وخدمة العملاء
  • 8. مستقبل لوجستيات البناء في مصر

لماذا اللوجستيات تُفشل المشاريع؟

في تجربتك، ما مدى أثر اللوجستيات على نجاح أو فشل مشروع البناء؟

خالد أبو غريب:

اللوجستيات الرديئة قادرة على تدمير منتج ممتاز وإدارة محترمة بالكامل. لأن العميل في نهاية اليوم لا يرى الجودة المخبرية للطوب في مصنعك. يرى الطوب الذي وصله في الوقت المحدد بالكمية الصحيحة في الحالة الجيدة. لو أي من هذه العناصر الثلاث فشل، في نظره أنت فشلت.

شوفت مشاريع تعثرت ليس بسبب مشاكل في التصميم أو التمويل، بل لأن مادة بناء أساسية لم تصل في وقتها. العمال وقفوا، الجدول الزمني اختل، العقوبات التأخيرية سرت. وأحيانًا المورد نفسه ليس المخطئ، لكن شركة النقل أخلفت. لكن المورد هو المحاسَب في نظر العميل. لهذا نُدير لوجستياتنا بنفس الاهتمام الذي نُدير به الإنتاج.

من المصنع للموقع: رحلة الطوبة

أوصف لنا رحلة الطوبة من خروجها من الفرن حتى وصولها لموقع البناء؟

خالد أبو غريب:

الطوبة بعد خروجها من الفرن وتبريدها تذهب لمنطقة الفرز. العمالة المتخصصة تُصنّف الطوب لفئات: الدرجة الأولى الكاملة، والدرجة الثانية ذات العيوب البسيطة، والمكسور الذي يُعاد تدويره. الدرجة الأولى تذهب لمنطقة التخزين المنظّم.

عند تسجيل طلبية، يُخصص لها رصيد من المخزون المناسب. يُجهَّز أمر التحميل بتفاصيل الكمية والمواصفات ومكان التسليم وموعده. يُحدَّد نوع الشاحنة المناسب للكمية والمسافة. ويُجدوَل التحميل ضمن جدول الشاحنات اليومي بحيث لا يُتأخر أي طلب.

أثناء النقل، الشاحنة تحمل وثيقة التسليم التي تتضمن بيانات الكمية والمواصفات وشهادة الجودة. عند الوصول، يُوقّع المستلم على استلام مطابق أو يُسجّل أي ملاحظة. هذه الوثيقة مرجعنا عند أي نزاع لاحق.

تحديات التوريد للمواقع البعيدة

مشاريع المدن الجديدة في مواقع بعيدة. كيف تتعامل مع هذا التحدي؟

خالد أبو غريب:

المسافة تُضاعف التكاليف وتُضاعف التعقيدات. تكلفة النقل لمسافة 200 كيلومتر تختلف جذريًا عن 20 كيلومترًا، وهذا يؤثر على التسعير ويضغط على الهامش. طريقتنا في مواجهة هذا التحدي بتقوم على عدة محاور.

الأول: تخطيط التحميل المُحكم. الشاحنة الكبيرة الممتلئة أفضل بكثير من شاحنتين نصف ممتلئتين. نُنسّق مع عملائنا في المواقع البعيدة لتجميع الطلبيات وإرسالها في رحلات أكبر وأقل تكرارًا.

الثاني: الشراكة مع شركات نقل متخصصة تعرف طرق المواقع الجديدة. مش كل شركة نقل تقدر تصل لمواقع في قلب الصحراء أو على طرق لم تُكتمل بعد.

الثالث: بناء مخزون مؤقت قريب من المشروع في الحالات التي يكون فيها البُعد هائلًا. هذا يُقلل من تواتر الرحلات الطويلة ويُوفر على العميل وعلينا.

إدارة المخزون الاستراتيجي

كيف تُدير المخزون بين الإفراط والتقصير؟

خالد أبو غريب:

إدارة المخزون علم ورياضيات قبل ما تكون خبرة. المخزون الزائد رأس مال مجمّد يكلّف تخزينًا ويتعرض للتلف. والمخزون الناقص يعني عدم القدرة على الوفاء بطلبية في وقتها. التوازن بينهما هو ما نسعى إليه دائمًا.

نشتغل بمفهوم ‘نقطة إعادة الطلب’. لكل منتج هناك مستوى مخزون معين لما يُوصَل إليه يُطلَق أمر إنتاج تلقائيًا قبل نفاد المخزون. هذه النقطة محسوبة بناءً على متوسط الطلب اليومي ووقت الإنتاج المطلوب لتجديد المخزون.

في أوقات الطلب العالي المتوقعة – مثل بداية الموسم الإنشائي بعد الشتاء – نرفع المخزون الاحتياطي استباقيًا. وفي أوقات التراجع المتوقعة كالصيف الشديد أو الشتاء، نُقلل الإنتاج تدريجيًا لتجنب تراكم مخزون لا يُباع.

التعامل مع تذبذب الطلب

الطلب على مواد البناء موسمي ومتذبذب. كيف تُدار هذه التذبذبات؟

خالد أبو غريب:

التذبذب في الطلب حقيقة بنية في قطاع البناء المصري. الذروة عادةً في الربيع والخريف، والركود النسبي في منتصف الصيف الشديد ومنتصف الشتاء. هذا النمط شبه ثابت وبيسمح بتخطيط مسبق.

في أوقات الذروة، نُشغّل الطاقة الإنتاجية القصوى ونُجهّز مخزونًا استباقيًا. وفي أوقات الفتور، نُنجز أعمال الصيانة الدورية للأفران والمعدات التي يصعب إنجازها وسط ضغط الإنتاج، ونُدرّب الفريق ونُطوّر العمليات.

التذبذب الحاد غير المتوقع هو الأصعب. طلبية ضخمة مفاجئة في وقت تشغيل كامل قد تُربك أي مصنع. لهذا نُحافظ على علاقات مع مصانع أخرى موثوقة يمكن التنسيق معها في حالات الطوارئ. المنافس الذي يُحترم أحيانًا يُصبح شريكًا في الضرورة.

تقنيات تتبع الشحنات

كيف تُبقي العميل مُطمئنًا بشأن وضع شحنته؟

خالد أبو غريب:

القلق على وقت الوصول من أكثر ما يُقلق عملاءنا. المقاول أو المهندس الموقعي محتاج يخطط. لو ما عرفش متى تصل الشاحنة، مش قادر يُنظّم عمله. لذلك طوّرنا نظام إشعارات يُبلّغ العميل في ثلاث نقاط: عند خروج الشحنة من المصنع، عند منتصف الطريق تقريبًا، وقبل ساعة من الوصول المتوقع.

هذا النظام البسيط خفّض بشكل كبير الاتصالات الاستفسارية على فريق خدمة العملاء، وبشكل أكبر رفع رضا العملاء. البشر لا يكرهون الانتظار بقدر ما يكرهون عدم المعرفة. أخبرهم متى ستصل ويُخطّطون وفق ذلك.

مستقبل لوجستيات البناء في مصر

كيف ترى مستقبل لوجستيات مواد البناء في مصر؟

خالد أبو غريب:

المستقبل في التكامل. الآن معظم موردي مواد البناء يشتغلون بشكل منفصل: مصنع ينتج، شركة نقل تنقل، مستودع يُخزّن. المستقبل للمنظومات المتكاملة التي تجمع هذه العناصر تحت إدارة واحدة أو على الأقل تنسيق محكم.

التقنية ستلعب دورًا أكبر: تتبع GPS للشحنات، أنظمة حجز ذكية، تنبؤ بالطلب بالذكاء الاصطناعي. هذه ليست خيالًا، هي موجودة في قطاعات أخرى وستدخل لقطاعنا.

لكن في نهاية اليوم، قطاع البناء يعتمد على الثقة الإنسانية أكثر من قطاعات أخرى. المقاول الذي يثق في مورده يُعطيه أعمالًا بلا مناقصة. وهذه الثقة تُبنى لا بالتطبيقات بل بالوفاء المتكرر على مدار سنوات. التقنية تُعزّز الثقة لكن لا تُنشئها.

─── نهاية اللقاء ───

تحرير وإعداد: فريق العمار مصر  |  مراجعة: الأستاذ خالد محمد أبو غريب

1 فكرة عن “لوجستيات مواد البناء: الحلقة الأكثر إهمالًا في سلسلة النجاح”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *