خالد أبو غريب يتحدث عن نهضة مصر ودوره فيها
اللقاء: حوار مع الأستاذ خالد محمد أبو غريب – مدير عام شركة العمار مصر
إعداد وتقديم: مراسل التنمية الاقتصادية
لا يتحدث الأستاذ خالد أبو غريب عن نهضة مصر كمشروع خارجي يراه من بعيد. يتحدث عنها كرجل يحس أن يديه ملطختان بطينها. ‘كل طوبة بنتجها جزء من هذا البناء الكبير’ يقول وهو يشير بيده نحو رص ضخم من الطوب الأحمر الطازج في ساحة المصنع. نجلس معه لساعتين من الحوار الصريح عن المشهد العام ودوره الخاص فيه.
جدول المحتويات
- 1. مصر التي أراها: ملاحظات من الميدان
- 2. دور القطاع الخاص في المشاريع القومية
- 3. العاصمة الإدارية وتحدياتها التوريدية
- 4. الإسكان الاجتماعي: بين الكم والكيف
- 5. التوطين الصناعي: هل صناعة الطوب موطّنة كما ينبغي؟
- 6. مصانع الطوب وخفض البطالة
- 7. الاستدامة في مشاريع النهضة
- 8. رسالة للحكومة والقطاع الخاص معًا
مصر التي أراها: ملاحظات من الميدان
◉ كرجل يعيش وسط قطاع البناء يوميًا، كيف ترى مصر اليوم من الداخل؟
خالد أبو غريب:
اللي بأشوفه من الميدان يختلف أحيانًا عن الصورة المُقدَّمة في وسائل الإعلام – في الاتجاهين. من جهة، الإنجاز العمراني حقيقي وضخم. بصراحة تامة ما شوفناش في حياتنا بناء بهذا الحجم وهذه السرعة في مصر. طرق وكباري ومدن كاملة تُبنى من الصفر. ده إنجاز حقيقي ومش منطقي إنكاره.
من جهة أخرى، في تحديات حقيقية في الميدان. التنسيق بين الجهات المختلفة أحيانًا يكون فيه ثغرات تعيق سرعة الإنجاز. معايير الجودة لا تُطبّق بنفس الصرامة في كل المشاريع. وفي قطاعنا تحديدًا، الفجوة بين الطلب الهائل والمنافسة غير النظيفة في السوق لا تزال تحدٍّ حقيقيًا.
لكن الصورة الإجمالية مبشّرة. مصر كانت محتاجة لهذا القرار بالبناء، وجاء القرار. الدور الآن على القطاع الخاص المصري إنه يكون شريكًا حقيقيًا وليس مجرد متلقٍّ للعقود.
” الإنجاز العمراني الكبير حقيقي ويجب الاعتراف به. والتحديات الميدانية حقيقية ويجب مواجهتها. الصدق في القراءة شرط للتحسين الحقيقي. “
دور القطاع الخاص في المشاريع القومية
◉ ما الدور الذي يجب أن يلعبه القطاع الخاص في مشاريع النهضة الوطنية؟
خالد أبو غريب:
القطاع الخاص عنده ثلاثة أدوار أساسية. الدور الأول: التوريد الموثوق بالجودة والكمية المطلوبة. المشاريع القومية لا تقبل شركاء يُخلفون المواعيد أو يُقدمون مواصفات ناقصة. التزامنا بالتسليم في الوقت المحدد وبالجودة المتفق عليها هو مساهمتنا المباشرة في نجاح هذه المشاريع.
الدور الثاني: الابتكار وتطوير المنتجات. المشاريع القومية بتحتاج حلولًا مبتكرة أحيانًا. طوب يناسب التربة الصحراوية، طوب بخصائص عزل أفضل للمدن الجديدة، أحجام وأشكال غير تقليدية تناسب التصاميم المعمارية الحديثة. هذا التطوير مسؤولية القطاع الخاص.
الدور الثالث: التوظيف وتطوير الكوادر. كل مصنع طوب يشتغل بكفاءة يُشغّل عشرات الأسر. والأهم، يُطوّر كوادر ماهرة تُضيف للاقتصاد الوطني. الصناعة التي تُوظّف وتُدرّب وترفع كفاءة العمالة تُقدّم قيمة تتجاوز قيمة منتجها المادي.
العاصمة الإدارية وتحدياتها التوريدية
◉ العاصمة الإدارية الجديدة مشروع ضخم جدًا. كيف تأثر قطاع الطوب بهذا المشروع؟
خالد أبو غريب:
العاصمة الإدارية خلقت موجة طلب غير مسبوقة على مواد البناء بكل أنواعها. بالنسبة لنا في قطاع الطوب، الطلب الضخم فرصة رائعة لكنه تحدٍّ إداري كبير في الوقت نفسه.
التحدي الأول هو المسافة. المصانع القريبة من القاهرة أقل كلفة في النقل، لكن المشروع يستوعب أكثر مما تُنتجه. مصانع أبعد ساعدت في سد العجز لكن بتكلفة نقل أعلى أثّرت على التسعير. هذا خلق ضغطًا على هوامش الربح خاصة للمصانع ذات الطاقة الإنتاجية المحدودة.
التحدي الثاني هو شروط الجودة الأكثر صرامة. المطورون الكبار العاملون في العاصمة لا يُساومون على الجودة. وهذا في رأيي ميزة وليس عبئًا. الشركات التي التزمت بالمواصفات نجحت في الدخول لهذا السوق وبنت علاقات قوية. الشركات التي حاولت اختصار التكلفة على حساب الجودة خسرت في الغالب.
في العمار مصر، وردنا مشاريع في منطقة العاصمة الجديدة وكانت تجربة إيجابية جدًا. صرامة المعايير رفعت مستوى مصنعنا وليس العكس.
الإسكان الاجتماعي: بين الكم والكيف
◉ مشاريع الإسكان الاجتماعي تُشكّل جزءًا كبيرًا من الطلب. هل أنت راضٍ عن مستوى الجودة؟
خالد أبو غريب:
هذه نقطة أتحدث عنها بصدق كامل. الإسكان الاجتماعي هدفه الوصول لأكبر عدد من المواطنين بأقل تكلفة. هذا هدف نبيل. لكن عندما يُتحقق هذا الهدف على حساب الجودة، فالضحية هو المواطن نفسه الذي يُريد المشروع خدمته.
الطوب الرديء في وحدة إسكان اجتماعي لا يختلف خطورته عن الطوب الرديء في فيلا فاخرة. ربما يكون أشد خطورة لأن ساكن الإسكان الاجتماعي لا يملك دائمًا القدرة المالية على إصلاح ما يُصيب منزله بعد سنوات.
التوصية واضحة: تحديد حد أدنى غير قابل للتفاوض لمواصفات مواد البناء في مشاريع الإسكان الاجتماعي وتطبيقه بصرامة. التوفير يجب أن يكون في الحجم والتصميم، لا في جودة المواد. هذا فرق جوهري ينبغي أن يفهمه كل صانع قرار.
التوطين الصناعي
◉ هل صناعة الطوب المصرية موطّنة بالشكل الكافي أم لا تزال هناك ثغرات؟
خالد أبو غريب:
صناعة الطوب الأحمر الطفلي مُوطَّنة بنسبة عالية جدًا، وهذا جانب مُشرّف. الخامات مصرية 100%، المعرفة الإنتاجية مصرية، العمالة مصرية. في هذا الجانب نحن نموذج للتوطين الصناعي الحقيقي.
لكن في المعدات والتقنيات الحديثة للتصنيع، لا يزال هناك اعتماد على التكنولوجيا المستوردة. أنظمة التحكم الإلكتروني، المستشعرات الدقيقة، برامج إدارة الإنتاج – هذه إما مستوردة أو تُدار بمكوّنات مستوردة. هذا تحدٍّ ينبغي أن تعمل عليه الصناعة المصرية.
الاتجاه الصحيح هو بناء صناعة مُكملة محلية لهذه الاحتياجات التقنية. مصر عندها كوادر هندسية ممتازة قادرة على تطوير بدائل محلية لكثير من هذه الاحتياجات. وهذا هو التوطين الحقيقي: لا توطين الخامة فقط بل توطين التقنية أيضًا.
مصانع الطوب وخفض البطالة
◉ كم من الوظائف تُوفّر صناعة الطوب المصرية؟
خالد أبو غريب:
الأرقام الدقيقة صعب إعطاؤها بدون إحصاء رسمي شامل، لكن التقديرات تشير لأن القطاع يُشغّل مئات الآلاف بشكل مباشر وغير مباشر. كل مصنع طوب متوسط يُشغّل مباشرة ما بين 50 و200 عامل حسب حجمه. وهذا لا يشمل سلاسل التوريد: موردي الطفلة، شركات النقل، موردي الوقود، الصيانة والخدمات.
الأهم من حجم التوظيف هو نوعيته. صناعة الطوب بتُشغّل عمالة من الشريحة التي تحتاجها مصر توظيفها أكثر: العمالة شبه الماهرة من المحافظات والأرياف. هذه الوظائف بتُبقي الناس في محافظاتها وبتُوفّر دخلًا لبيئات كانت محدودة الفرص.
رسالة للحكومة والقطاع الخاص
◉ رسالة أخيرة؟
خالد أبو غريب:
للحكومة: تطبيق المواصفات القياسية على الجميع بلا استثناء هو أعظم خدمة يمكن تقديمها لقطاع مواد البناء. ليس لحماية الكبار من الصغار، بل لحماية الجميع من المستهلك الذي يستحق منتجًا آمنًا وجيدًا.
للقطاع الخاص: رؤية 2030 ليست فرصة للربح السريع. هي دعوة للبناء الحقيقي – بناء مشاريع جيدة تصمد عشرات السنين وتُكوّن سمعة حقيقية تُورَث للأجيال القادمة. الربح القصير المبني على جودة مُهدَرة هو خيانة للوطن قبل أن يكون خطأً تجاريًا.
─── نهاية اللقاء ───
تحرير وإعداد: فريق العمار مصر | مراجعة: الأستاذ خالد محمد أبو غريب





